بيروت.. من التهميش إلى التغييب

بيروت.. من التهميش إلى التغييب

 

كتب زياد سامي عيتاني: تجد بيروت نفسها أمام واقع مرير يختزل أزمة لبنان بأكملها. العاصمة التي حملت يوماً لقب “باريس الشرق” وكانت منارة الثقافة والحداثة في المشرق العربي، باتت اليوم تعاني من تهميش ممنهج يطال كل مناحي الحياة فيها. من البنية التحتية المنهارة إلى الإقصاء المؤسساتي، تتحول بيروت تدريجياً من قلب لبنان النابض إلى مدينة منسية في وطن يتفكك.

الإقصاء من المؤسسات الوطنية

تتكرر الشكاوى والتساؤلات حول التمييز الممارس ضد أبناء بيروت في مؤسسات الدولة اللبنانية. آخر هذه القضايا المثارة تتعلق بنتائج القبول في الكلية الحربية، حيث يشير البعض إلى استبعاد شبه كامل للمتقدمين من العاصمة. وبينما تستدعي هذه الادعاءات تحقيقاً معمقاً وشفافية كاملة في معايير القبول، فإن القضية تطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة في الفرص ومبدأ المساواة بين المواطنين.

المشكلة تتجاوز حالة فردية أو قرار معزول، لتشير إلى نمط أعمق من التهميش المؤسساتي. عندما يشعر شباب العاصمة بأن أبواب المؤسسات الوطنية مغلقة أمامهم، فإن ذلك يهدد مفهوم الانتماء الوطني ذاته. المؤسسات العسكرية والأمنية، التي يفترض أن تكون نموذجاً للوحدة الوطنية، تتحول في ظل هذه الممارسات إلى مجال آخر للمحاصصة والإقصاء.

أهوال البنية التحتية.. عاصمة تنهار ببطء

الكهرباء.. ظلام دائم

انقطاع الكهرباء طال مرافق رئيسية في لبنان، بما في ذلك مطار رفيق الحريري الدولي، ومرفأ بيروت، والسجون، ومرافق الصرف الصحي، وضخ مياه الشرب. هذا ليس مجرد انقطاع عابر، بل واقع يومي يعيشه البيروتيون منذ سنوات. العاصمة تغرق في الظلام لساعات طويلة يومياً، والمولدات الخاصة التي تستنزف جيوب المواطنين أصبحت الحل الوحيد المتاح.

الأخطر من ذلك أن البنية التحتية الكهربائية نفسها تتداعى. محطات التوليد القديمة تتعطل باستمرار، وشبكة النقل تعاني من أعطال متكررة. في آب 2025، شهدت بيروت انقطاعاً شاملاً للكهرباء بسبب عطل في محطة الذوق الحرارية، في مشهد يذكّر بأزمة العتمة الشاملة التي حدثت عام 2024. نسبة الهدر التقني وغير التقني تقدر بحوالي 40%، وهو رقم فلكي يعكس حجم الفوضى وسوء الإدارة.

المياه.. أزمة متفاقمة

شبكة المياه في بيروت لا تقل سوءاً عن شبكة الكهرباء. البنى التحتية المتعلقة بقطاعات الكهرباء والمياه والسدود تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، لكن الاستثمارات غائبة والإرادة السياسية معدومة. التسريبات الهائلة في الشبكة تهدر نصف المياه تقريباً قبل وصولها للمستهلكين، في حين أن البنية التحتية التي مضى عليها 60 إلى 70 عاماً لم تعد قادرة على تحمل الضغط.

انقطاع الكهرباء يؤثر مباشرة على ضخ المياه، حيث توقفت محطات الضخ عن العمل، مما أدى إلى انخفاض ساعات التغذية بالمياه في العاصمة بشكل حاد. اللجوء إلى صهاريج المياه الخاصة أصبح ضرورة، لكن تلوث هذه المياه وغياب الرقابة على مصادرها يشكل تهديداً صحياً خطيراً.

الطرقات.. حقول من الحفر

البنى التحتية المهترئة التي مضى عليها 60 إلى 70 سنة في ظل حركة عمرانية كبيرة لم تعد قادرة على تحمل الضغط. شوارع بيروت تحولت إلى متاهة من الحفر العميقة التي تلتهم السيارات، والمطبات غير المنظمة، والإشارات الضوئية المعطلة. في كل موسم أمطار، تتحول الطرقات إلى مستنقعات بسبب انسداد مجاري الصرف الصحي وعدم صيانة شبكات تصريف المياه.

ليلاً، تغرق شوارع بيروت في ظلام دامس. أعمدة الإنارة معطلة، وأضواء الأنفاق تلفظ أنفاسها الأخيرة، والإشارات الضوئية مطفأة أو محطمة. السير في شوارع العاصمة ليلاً أصبح مغامرة خطيرة، وحوادث السير تتكرر بشكل مأساوي.

المشكلة ليست فقط في غياب الصيانة، بل في عدم وجود خطة شاملة لإصلاح البنية التحتية للطرقات. وزير النقل والأشغال أوضح أننا بحاجة إلى 220 مليون دولار مقسمة إلى 105 ملايين للصيانة الدورية و120 مليوناً لتأهيل الأوتوسترادات، لكن هذه الأموال غير متوفرة، والمناقصات التي تطرحها الحكومة لا تجد من يتلزمها بسبب الدفع بالليرة المنهارة.

الصرف الصحي.. كارثة بيئية وصحية

أزمة الصرف الصحي في بيروت تمثل واحدة من أخطر الكوارث البيئية والصحية. أقل من 8% من مياه الصرف تخضع للمعالجة، فيما يُلقى معظمها مباشرة في الأنهار والمياه الجوفية، في انتهاك صارخ لأبسط معايير الصحة العامة. المحطات التي بُنيت بمليارات الدولارات إما متوقفة عن العمل أو تعمل بطاقة ضعيفة جداً، في حين أن شبكات الصرف الصحي القديمة تفيض في الشوارع عند كل هطول مطري.

كشف تقرير ديوان المحاسبة 2025 عن خسائر تقدر بحوالى 763.5 مليون دولار نتيجة محطات متوقفة أو تعمل بقدرة ضعيفة، في دليل واضح على الهدر والفساد المستشريين. المحطات التي كان يجب أن تحمي البيئة والصحة العامة تحولت إلى مشاريع لنهب المال العام، بينما تُلقى مياه الصرف غير المعالجة في البحر والأنهار، مهددة التنوع البيولوجي والأمن الغذائي.

الأزمة التراكمية

كل هذه الأزمات مترابطة ومتفاعلة. انقطاع الكهرباء يعطّل ضخ المياه، وتعطّل ضخ المياه يؤثر على الصرف الصحي، والطرقات المهترئة تزيد من تكلفة الحياة والنقل. البنية التحتية لبيروت لا تتدهور فحسب، بل تنهار بشكل منهجي ومتسارع، في غياب أي خطة جدية لإيقاف هذا الانهيار.

الأموال المطلوبة لإصلاح البنية التحتية متوفرة نظرياً، سواء من القروض الميسرة أو المساعدات الدولية، لكن الفساد والمحاصصة السياسية والإهمال المتعمد تحول دون استخدامها. مؤتمر سيدر وعد بـ11 مليار دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية، لكن الحكومة اللبنانية لم تنفذ أياً من الإصلاحات المطلوبة، فضاعت الفرصة وبقيت بيروت تغرق في أزمتها.

الخدمات الصحية والتعليمية.. تراجع خطير

المستشفيات الحكومية في بيروت تعاني من أزمة خانقة. النقص الحاد في الأدوية والمعدات الطبية، هجرة الكوادر الطبية، وتردي الخدمات حوّل هذه المؤسسات إلى ملاذ أخير للفقراء فقط. من يملك القدرة المالية يلجأ إلى القطاع الخاص بكلفة باهظة، بينما يُحرم الآخرون من حقهم الأساسي في الرعاية الصحية.

القطاع التعليمي ليس بأفضل حال. المدارس الرسمية تفتقر لأبسط المستلزمات، والجامعة اللبنانية التي كانت منارة التعليم الوطني تعاني من إضرابات متكررة وغياب شبه كامل للإمكانيات. هذا التدهور المتعمد يحرم أبناء بيروت من فرص متكافئة في التعليم، ويعمق الفجوة الطبقية في المجتمع.

الأزمة الاقتصادية.. نزيف الشباب والكفاءات

الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019 ضرب بيروت بقسوة خاصة. فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها، والرواتب لم تعد تكفي لتغطية أسبوع من المصاريف. البطالة تفشت، والفقر ضرب شرائح واسعة كانت حتى الأمس القريب من الطبقة الوسطى.

النتيجة كانت موجة هجرة غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية. آلاف الشباب والكفاءات غادروا بيروت بحثاً عن حياة كريمة في الخارج. أطباء، مهندسون، أساتذة جامعات، فنانون، ورياديون تركوا المدينة التي لم تعد قادرة على احتضان طموحاتهم أو حتى تأمين عيش كريم لهم. بيروت تخسر رأسمالها البشري، وهو ما يهدد مستقبلها على المدى الطويل.

الأزمة البيئية.. مدينة تختنق

أزمة النفايات لم تُحل حتى اليوم. الحلول المؤقتة والعشوائية زادت المشكلة تعقيداً. جبال النفايات المكشوفة في محيط بيروت، والحرق العشوائي، والتلوث البحري حوّلت المدينة إلى بيئة غير صحية. جودة الهواء في بيروت من الأسوأ في المنطقة، والأمراض التنفسية في ازدياد مستمر.

هذا الواقع البيئي المتردي ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة لفشل في التخطيط وفساد في التنفيذ. العقود التي أُبرمت لمعالجة النفايات كانت فرصة لسرقة المال العام أكثر منها حلولاً فعلية للمشكلة.

سرقة منظمة للمدينة

بيروت لا تُهمل فحسب، بل تُسرق أيضاً. أملاك البحر تُباع بصفقات مشبوهة، الأملاك العامة تُخصخص لمصلحة أصحاب النفوذ، والمشاريع العقارية تُنفذ على حساب الطابع المعماري والتراثي للمدينة. الفساد في مؤسسات الدولة المعنية ببيروت ليس سراً، بل واقع يعيشه كل مواطن يحاول الحصول على خدمة أو معاملة.

التقارير الدولية تضع لبنان في ذيل قائمة الدول الأكثر فساداً، وبيروت تدفع ثمناً باهظاً لهذا الواقع. الأموال التي كان يجب أن تُنفق على تطوير المدينة وتحسين حياة سكانها تذهب إلى جيوب الفاسدين.

موت الروح البيروتية

بيروت لم تكن مجرد عاصمة إدارية، بل مركزاً ثقافياً وفكرياً للمنطقة العربية بأسرها. دور السينما التاريخية أُغلقت أو حُولت إلى مولات تجارية، المسارح تعاني من غياب الدعم، والمكتبات التي كانت منتشرة في كل حي تكاد تختفي. المشهد الثقافي البيروتي، الذي كان نابضاً بالحياة، يعتمد اليوم على جهود فردية محدودة في ظل غياب كامل للدعم الرسمي.

هذا الإهمال الثقافي له بعد سياسي واضح. مدينة بلا ثقافة هي مدينة بلا ذاكرة، وبلا ذاكرة يسهل السيطرة عليها وتشويه هويتها. بيروت التي كانت عاصمة النشر العربي وملتقى المثقفين والمبدعين تُجرّد من هذا الدور تدريجياً.

تغيير هوية المدينة

النسيج الاجتماعي لبيروت يتغير بفعل عوامل متعددة. التهجير الاقتصادي لسكانها الأصليين، والتوسع العمراني العشوائي، والتغييرات في القوانين الانتخابية التي تُضعف التمثيل السياسي للبيروتيين، كلها عوامل تساهم في تغيير هوية المدينة.

القوانين الانتخابية المتعاقبة صُممت بطريقة تُهمش صوت بيروت السياسي. المدينة التي كان يجب أن يكون لها دور محوري في صنع القرار السياسي باتت مجرد ساحة للصراعات بين قوى سياسية لا تمثل بالضرورة مصالح سكانها الحقيقية.

مدينة بلا حماية

الوضع الأمني في بيروت يشهد تدهوراً ملحوظاً. السرقات تتزايد، وتجارة المخدرات تنتشر في أحياء كانت آمنة، والاعتداءات أصبحت أكثر تكراراً. هذا الواقع يعكس ضعف الدولة وتراجع قدرة أجهزتها على فرض القانون وحماية المواطنين.

العاصمة التي كانت رمزاً للحياة المدنية والنظام باتت تشهد مظاهر من الفوضى تهدد النسيج الاجتماعي. الأمن، الذي هو من أولى واجبات الدولة، لم يعد مكفولاً بالمستوى المطلوب في بيروت.

أي مستقبل لبيروت؟

التهميش الذي تتعرض له بيروت ليس مجرد أزمة خدمات أو إدارة، بل يطرح سؤالاً وجودياً حول مستقبل المدينة ودورها. هل ستبقى بيروت عاصمة حقيقية لكل اللبنانيين، أم ستتحول إلى مجرد مدينة عادية فقدت دورها التاريخي والرمزي؟

المسار الحالي خطير. إذا استمر التهميش والإهمال، فإن بيروت قد تفقد نهائياً قدرتها على القيام بدورها كقلب نابض للبنان. المدينة التي كانت رمزاً للتنوع والتعايش والحداثة قد تتحول إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

إنقاذ بيروت ليس ترفاً أو مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية. موت بيروت يعني موت لبنان كفكرة وكمشروع حضاري. المطلوب ليس مجرد وعود وخطابات، بل إرادة سياسية حقيقية لإحداث تغيير جذري في طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها.

الحلول معروفة؛ محاسبة الفاسدين، استعادة المؤسسات الوطنية من براثن المحاصصة، الاستثمار الجدي في البنية التحتية والخدمات، تحقيق العدالة في توزيع الموارد والفرص، ووضع خطة شاملة لإعادة إعمار وتطوير العاصمة. لكن كل ذلك يتطلب قيادة سياسية تؤمن بالمواطنة الحقيقية وبالمساواة بين جميع اللبنانيين.

البيروتيون لا يطلبون امتيازات، بل حقوقهم الأساسية كمواطنين. يطالبون بعدالة في الفرص، بخدمات عامة تليق بعاصمة، بمدينة آمنة ونظيفة وحيوية، وبمستقبل يستحق أن يعيشوه ويورثوه لأبنائهم.

هل ما زال في هذه الدولة من يسمع نداء العاصمة المنكوبة؟ أم أن الصمم السياسي قد أصاب الجميع؟ الوقت ينفد، وبيروت تنتظر.